كل المنصات اليوم مصممة لهدف واحد وهو جذب الانتباه، حيث تدفعنا باستمرار نحو المزيد من المنشورات، المتابعين، والضجيج. بدأت "ستوريات" كتمرد شخصي على هذه الدائرة، واستغرق الأمر تحولاً جذرياً في توجه المنتج لأفهم كيف يجب أن يبدو هذا التمرد فعلياً.
بدأت الفكرة عندما صممت صفحة شخصية تفاعلية لنفسي تشبه أسلوب "دولينجو" للتسلية فقط، ومشاركتها مع الأصدقاء. تفاجأت بردة الفعل؛ لم يعجب الناس بالروابط فحسب، بل استمتعوا بتجربة التصفح من خلال قصة بدلاً من السيرة الذاتية التقليدية الجافة. كانت تلك الإشارة الحقيقية بأنني لا أنظر إلى مجرد مشروع جانبي ممتع، بل إلى منصة حقيقية.

التحول في الهوية
النسخة الأولى من "ستوريات" كانت طموحة جداً، حيث بنيت منصة SaaS كاملة، وتطبيقاً لنظام iOS، وحتى تكاملاً مع ChatGPT، بهدف مساعدة أي شخص على تحويل رحلته الشخصية إلى قصة تفاعلية. قضيت شهوراً في تحسين التصميم، وأطلقت المنتج على ثلاث واجهات مختلفة بانتظار ردة فعل توازي الجهد المبذول.
لكن هذا لم يحدث. سجل عدد قليل جداً من الأشخاص، وقلة منهم استخدموا المنصة فعلياً. هذه الفجوة بين الاهتمام الكبير بالبناء وضعف استجابة السوق أصبحت أهم نقطة بيانات في المشروع بأكمله.
اكتشاف العائق الحقيقي
كان دافعي الأول هو الاستمرار في إضافة الميزات. فكرت في بناء "الحسابات الجاهزة للاقتناء" لتقليل حواجز الاستخدام، وإضافة المزيد من اللمسات الجمالية على واجهة دخول المستخدمين. هذا هو فخ المطورين التقليدي: إذا لم يستخدم أحد المنتج، ابنِ المزيد.
لكن في الواقع، لم تكن المشكلة في المنتج نفسه بل في المسافة بيني وبين المستخدمين. لقد أنشأت حسابات جاهزة لبعض الأشخاص ولكنني لم أتواصل معهم لتسليمها. كنت أختبئ خلف الكود. كان العائق الحقيقي هو ترددي في إجراء التواصل الشخصي المباشر وتقبل الصمت الأولي، واختياري للهروب مجدداً إلى التطوير والبرمجة.
هذا الإدراك غيّر كل شيء في "ستوريات". وبدلاً من ملاحقة النمو السريع القائم على الخوارزميات، أعدت بناء هوية المنصة لتكون قائمة على الدعوات فقط. مساحة هادئة ومتأنية للكتابة والتعبير، خالية من سباق الإعجابات وضجيج الخوارزميات. اليوم، تعمل "ستوريات" كنسخة تجريبية مغلقة تضم 23 مستخدماً، ونُشرت من خلالها 26 مساحة شخصية، بمعدل تفعيل يصل إلى 21.7%، وهي أرقام متواضعة ومقصودة تماماً وليست وليدة الصدفة.

المثالية كأداة للهروب
الدرس الأقسى الذي تعلمته لم يكن تقنياً، بل كان اكتشاف كيف يمكن لعبارة "ما زلت أعمل على تحسينه" أن تتحول إلى عذر ذكي لتجنب مواجهة الرفض. كل ميزة أضفتها قبل التواصل الفعلي مع الناس كانت، في حقيقتها، طريقة لتأجيل حوار صعب. لم يكن الحل في ميزة أفضل، بل كان ببساطة في رفع سماعة الهاتف والتواصل.
البناء بتأنٍ
"ستوريات" اليوم أصغر من النسخة التي أطلقتها في البداية، وهذا هو المطلوب تماماً. لم تعد تحاول أن تكون كل شيء لكل الناس. إنها مساحة هادئة لمن يريد أن يكتب ويقرأ دون أن يضطر للاستعراض أمام الخوارزميات.
كل قرار يخص المنتج منذ هذا التحول جاء ليعزز العمق على حساب الضجيج، والاهتمام على حساب السرعة. الأرقام لا تزال صغيرة، لكن لأول مرة، يسير نمو المنصة وفلسفتها في نفس الاتجاه تماماً.