دائماً ما تراودني شكوك كثيرة قبل شرائي لأي منتج؛ فعندي رغبة دائمة بأن أحصل على أفضل منتج وبأفضل سعر. أبحث وأقارن بين المتاجر الإلكترونية لإيجاد ذلك السعر المثالي، لكنني غالباً ما أشعر بعدم اليقين تجاه التخفيضات التي أجدها. هل فعلاً هذا تخفيض حقيقي؟ أم هو مجرد رفع للسعر الأساسي لإيهامي بخصم وهمي؟
هذا التساؤل لم يكن مجرد وسواس عابر، بل كان اعترافاً بأننا كمتسوقين نفتقر لـ "الشفافية" و"الذاكرة" في تعاملنا مع الأسعار. شعرت أننا نحتاج لأداة تنهي حالة الشك هذه وتكشف لنا الحقيقة بناءً على بيانات تاريخية لا تخضع لأهواء البائع.. ومن هنا ولدت فكرة "محزم".
.png)
الهوية
لم يكن "محزم" مجرد اسم عابر، بل اخترته ليعبر عن الصديق الذي "يتحزم" به الشخص في المواقف الصعبة؛ فنحن في ثقافتنا نعتبر المحزم رمزاً للمساندة والقوة. أردت للأداة أن تكون هي ذلك "الرفيق" الذي يشد المتسوق به ظهره ليتأكد أنه في مأمن من الخداع المالي.
ولأني أؤمن بأن التصميم هو لغة التواصل الأولى، قررت ابتكار شخصية كرتونية بهوية سعودية أصيلة، يرتدي الثوب والغترة والجنبية، ليكون قريباً من روح المستخدم الخليجي. لم تكن هذه الشخصية جامدة، بل جعلتها تتطور مع المستخدم عبر نظام "رتب" (Gamification)؛ فيبدأ المستخدم برتبة "المحزم البرونزي" بملابس بسيطة تحفزه على المشاركة، وصولاً إلى "المحزم الملكي" حيث يرتدي البشت ويجلس على كرسي فخم.

الهدف من هذا التدرج لم يكن المتعة البصرية فقط، بل كان لكسر الجمود التقني في أدوات التسوق وتحويل عملية "جمع البيانات" إلى رحلة ممتعة وصعود اجتماعي داخل مجتمع "محزم". أردت أن يشعر المستخدم أنه حين يسجل سعراً جديداً، فهو لا يخدم قاعدة بيانات صماء، بل يساهم في بناء وعي مجتمعي يحميه ويحمي غيره.
الاستراتيجية
تقنياً، كان أمامي طريقان لجمع بيانات الأسعار: الأول هو بناء "بوتات" (Bots) تقوم بمسح المواقع بشكل تلقائي، وهذا هو الحل الأكثر انتشاراً لكنه مكلف مادياً، ومعقد تقنياً بسبب سياسات الحظر (IP Bans) التي تفرضها المتاجر الكبرى. أما الطريق الثاني، وهو ما اخترته، فهو "الذكاء المجتمعي" (Passive Crowdsourcing).
قررت ألا أستثمر مبالغ طائلة في بنية تحتية لبوتات قد تُحظر في أي لحظة قبل أن أتأكد من "حاجة الناس" فعلياً للمنتج. جعلت الإضافة هي المحرك؛ فبمجرد أن يتصفح المستخدم موقع أمازون، تقوم "محزم" بتسجيل السعر آلياً في قاعدة البيانات دون أي مجهود منه وبخصوصية تامة. كان التحدي الأكبر هو مشكلة البداية (Cold Start)؛ أي ماذا سنظهر للمستخدم الأول الذي يبحث عن منتج لم نسجله بعد؟
.png)
هنا دمجت حسّي الفكاهي بالتقنية، فصممت رسائل طريفة لكل حالة. فإذا كان المستخدم هو أول من يكتشف السعر، تظهر له رسالة: "جبناك يا عبد المعين تعين.. طلعت تعان!"؛ لإخباره بأسلوب ساخر أنه هو من ساهم في إثراء قاعدة البيانات هذه المرة. هذا القرار الاستراتيجي لم يكن لتوفير التكاليف فحسب، بل كان اختباراً حقيقياً لمدى استعداد المجتمع للمساهمة في بناء أداة تخدم الجميع، بعيداً عن تعقيدات البوتات ومشاكلها القانونية.

لماذا توقفت؟ وماذا تعلمت؟
اليوم، "محزم" متوقف تقنياً، والسيرفرات مغلقة، لكن الدروس التي خرجت بها ما زالت تعمل بداخلي. أدركت بعد إطلاق الأداة أن بناء منتج عظيم تقنياً وبصرياً يمثل 20% فقط من الرحلة، أما الـ 80% المتبقية فهي "ماكينة النمو" (Growth Engine). فالتسويق عبر حساباتي الشخصية لم يكن كافياً لخلق "كتلة حرجة" من المستخدمين تجعل قاعدة البيانات غنية ومفيدة فوراً لكل وافد جديد.

اتخذت قرار التوقف بوعي؛ لأنني لا أريد استنزاف الوقت والمال في تطوير ميزات إضافية دون أن ألمس طلباً حقيقياً ونمواً متسارعاً. في عالم المنتجات، تعلمت أن "الفشل" في الوصول للسوق هو في الحقيقة بيانات ثمينة تخبرك أين يجب أن تضع مجهودك القادم.
رغم توقف المشروع، إلا أنني فخور جداً بكل تفصيل فيه؛ من رسائل الخطأ الطريفة إلى تطور الشخصيات. "محزم" كان المختبر الذي صقل هويتي المهنية، وأثبت لي أنني أستطيع دمج الهندسة بالإبداع وعلم النفس في قالب واحد. هي لم تكن مجرد إضافة لمتصفح كروم، بل كانت خطوة أساسية في رحلتي لفهم كيف نصمم أشياء يحبها الناس ويحتاجونها فعلاً.