دوبافيل: لماذا لا تشبه المواقع التقنية جمال الرحلة نفسها؟

Published

This post is also available in: English

دوبافيل: لماذا لا تشبه المواقع التقنية جمال الرحلة نفسها؟

خلال فترة عملي مع "بانجيا" لسياحة المغامرة، كنت أعيش تجربة استثنائية في الميدان؛ رحلات ملهمة، تنظيم احترافي، ومشاعر لا تُنسى في قلب الطبيعة. لكن بمجرد أن ينتقل العميل من مرحلة الانبهار بالصور إلى مرحلة "الحجز"، كانت هذه المشاعر تصطدم بواقع تقني جاف ومعقد.

كان الموقع يعتمد على "وردبريس" وإضافات برمجية تحاول جاهدة عرض الرحلة كـ "منتج" جامد، تماماً كما تُعرض المعلبات في المتاجر، دون أن تنقل روح المغامرة أو التفاصيل التي تجعل العميل يتخذ قرار الشراء بحماس. ليس هذا فحسب، بل كانت عملية الدفع بحد ذاتها "عقبة"؛ حيث يضطر العميل للانتقال لروابط وسيطة معقدة لاستكمال الحجز، مما يجعل الكثيرين يتراجعون في اللحظات الأخيرة بسبب طول المسافة بين "الرغبة" و"إتمام الطلب".

هنا أدركت أن هناك فجوة عميقة في سوقنا المحلي؛ فنحن نملك مبدعين في تشغيل التجارب، لكنهم يفتقرون لأدوات رقمية تشبههم. شعرت وقتها بمسؤولية تجاه هذا القطاع: كيف يمكننا أن نجعل تجربة الحجز "سلسة" و"ممتعة" تماماً كالرحلة نفسها؟ ولماذا لا توجد منصة متكاملة تفهم خصوصية صانع التجارب وتدعم احتياجاته في الدفع واللغة والتحكم الكامل؟ من هنا، ومن داخل جبال المغامرة، بدأت ملامح "دوبافيل" تتشكل في ذهني.

الهوية

عندما بدأت التفكير في اسم للمشروع، لم أرد اسماً تقنياً جافاً يوحي بالبرمجيات والأكواد، بل أردت اسماً "يُشعر" العميل بالنتيجة النهائية للتجربة. اخترت اسم "دوبافيل" (Dopafeel)، وهو مزيج بين "الدوبامين" (هرمون السعادة والمكافأة) وبين كلمة "Feel" الإنجليزية. لكن العبقرية الحقيقية في الاسم لم تظهر إلا عندما لاحظت الرابط اللساني العفوي؛ فكلمة "Feel" تُنطق تماماً مثل كلمة "فيل" بالعربية، ومن هنا وُلدت شخصية "الفيل" اللطيفة التي اتخذناها تميمة للمنصة.

وجود "فيل" كشخصية في المنصة ليس مجرد زينة، بل هو محاولة لكسر الحاجز بين صانع التجربة والأداة التقنية؛ فالفيل يرمز للثبات والذكاء والود، وهي الصفات التي أردت أن يشعر بها المنظمون وهم يستخدمون لوحة تحكم دوبافيل. أردت أن تكون المنصة "رفيقاً" مرحاً يسهّل عليهم العمليات المعقدة، وليس مجرد نظام "SaaS" بارد.

هذا التوجه قادنا لاختيار شعارنا (Slogan) بعناية: "DopaFeel.. Feel it for real / دوبافيل.. شعورك أصيل". اخترت كلمة "أصالة" لتكون هي البوصلة؛ لأننا في عصر كثرت فيه التجارب المصطنعة، وجدنا أن الناس يبحثون عن "الأصيل" والحقيقي. في دوبافيل، نحن لا نصمم واجهات فحسب، بل نصمم "مرساة" تحفظ أصالة التجربة من لحظة الحجز وحتى انتهاء الرحلة وبقاء الأثر في الذاكرة.

الاستراتيجية

تقنياً، لم تكن رحلتي مع "دوبافيل" هي الطريق الأسهل، بل كانت الطريق الأكثر منطقية. بدأت بالبحث عن حلول عالمية، وانبهرت بمنصة "Easol"، لكنني اصطدمت بحقيقة أنها مصممة لأسواق لا تشبهنا؛ فلا دعم للغة العربية، ولا توافق مع بوابات الدفع المحلية التي يعتمد عليها عملاؤنا في الخليج. هنا أدركت أن الحل لن يأتي من الخارج، بل يجب أن يُبنى بأيدٍ تفهم خصوصية سوقنا.

وبدلاً من الوقوع في الفخ المعتاد ببناء "المنتج الكامل" ثم البحث عن عملاء، قررت اتباع منهجية الـ Lean Startup. صممت صفحة هبوط (Landing Page) تخاطب مشاعر صناع التجارب، ودمجتها باستبيان ذكي (Tally) لتحليل احتياجاتهم ونقاط الألم لديهم. كان هدفي هو التحقق من "جدوى المنتج" قبل استهلاك الموارد في برمجته. كنت أبحث عن الإجابة: هل يحتاج السوق فعلاً لما أفكر فيه؟

الرؤية الاستراتيجية لـ "دوبافيل" تتجاوز مجرد الحجز؛ هي أن تكون "المصدر الوحيد للحقيقة" (Single Source of Truth) للمنظم. فبدلاً من أن يضيع صانع التجارب وقتاً هائلاً في تكرار إدخال بيانات رحلته يدوياً على Airbnb Experiences وViator وموقعه الشخصي، يقوم برفعها مرة واحدة في دوبافيل، وهي تتكفل بنشرها ومزامنتها في كل مكان. هذا لا يوفر مئات الساعات فحسب، بل يمنح المنظم الحرية ليركز في "أصالته" وفي الميدان، تاركاً العبء التقني والعملياتي لـ "فيل" وفريقه.

درس "غاري في"

بكل صراحة، هناك لحظة في عمر أي مشروع ينطفئ فيها الحماس، وهذا ما حدث معي في "دوبافيل". تواصلت مع حوالي 20 جهة، بذلت جهداً كبيراً في تحليل محتواهم وكتابة رسائل مخصصة، لكن التفاعل كان محدوداً جداً. شعرت بالأسى، وقلت في نفسي: "ربما لا أحد يحتاج هذا الحل، ربما كنتُ واهماً". توقفتُ لشهور، وتركتُ المشروع معلقاً في "منطقة الحيرة".

بعد فترة، صادفتُ مقطعاً لـ "غاري في" (Gary Vee) يتحدث مع شخص يواجه نفس مشكلتي تماماً. سأله غاري: "مع كم شركة تواصلت؟"، فأجاب الشخص بكل ثقة: "حوالي 50 شركة". هنا صرخ غاري بقوة: "هذا لا شيء! يجب أن تتواصل مع 2000 شركة على الأقل!". كانت هذه الكلمات بمثابة "صفعة" أيقظتني من سباتي المهني. أدركتُ حينها أن مشكلتي لم تكن في "دوبافيل" كمنتج، بل في مجهودي المتواضع في الوصول للناس وسرعة استسلامي.

اليوم، ومع التطور الهائل في الذكاء الاصطناعي، أرى هذه العقبة بشكل مختلف كلياً. لم أعد مضطراً للقيام بكل شيء يدوياً والشعور بالاحتراق النفسي. أخطط الآن لبناء "نظام أتمتة" (Pipeline) باستخدام أدوات مثل n8n؛ حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بجمع معلومات دقيقة عن كل جهة سياحية، وتحليل موقعهم ومنصاتهم، ثم صياغة رسائل ومقترحات مخصصة (Proposals) تلمس "أوجاعهم" التقنية فعلياً. هذا ليس مجرد إرسال رسائل عشوائية، بل هو توظيف للـ AI ليكون "مدير مبيعات" ذكي لا يمل ولا ينام، يوصلني للرقم الذي ذكره غاري دون أن أفقد شغفي في الطريق.

الخاتمة

ما أطمح إليه في "دوبافيل" يتجاوز مجرد كونه منصة تقنية ناجحة؛ الحلم أكبر من ذلك بكثير، وهو أن نرفع سقف جودة التجارب في منطقتنا العربية بالكامل. لدي قناعة تامة بأن إجبار الناس على التغيير أو محاولة إقناعهم بالنظريات أمر صعب، لكن من السهل جداً أن تجعلهم "يقلدونك" إذا رأوا منك إبداعاً حقيقياً ومستوى من الإتقان لم يصل إليه أحد قبلك.

لهذا السبب، أخطط مستقبلاً لأن تقوم "دوبافيل" نفسها بتصميم وتنفيذ تجارب خاصة بها. ليس الهدف من ذلك منافسة شركائنا، بل أن نكون "المسطرة" أو المعيار الذي يقيس عليه الجميع جودة العمل. نريد أن نصمم رحلات لها هدف نفسي وعمق، تترك أثراً حقيقياً في روح الإنسان، ولا تنتهي بمجرد العودة إلى المنزل. نريد أن نضع "الكتالوج" الذي يلهم الآخرين للارتقاء بتجاربهم.

في النهاية، يبقى المحرك لكل هذا هو "الأصالة". في عالم أصبح فيه كل شيء مصطنعاً وسريعاً، أريد لـ "دوبافيل" أن تكون المساحة التي تعيد للمشاعر الحقيقية قيمتها ومكانتها. الأصالة بالنسبة لي ليست مجرد كلمة تسويقية، بل هي الشعور الذي أريد لكل منظم وكل مغامر أن يلمسه بمجرد دخوله عالم "دوبافيل". الرحلة ما زالت في بداياتها، ولعل القادم يكون "أصيلاً" تماماً كما تخيلته.